السيد كمال الحيدري
76
أصول التفسير والتأويل
تقبل البطلان والرفع لذاتها ، حتّى أنّ فرض بطلانها ورفعها مستلزم لثبوتها ووضعها ، فلو فرضنا بطلان كلّ واقعية في وقت أو مطلقاً ، كانت حينئذ كلّ واقعية باطلة واقعاً ( أي الواقعية ثابتة ) وكذا السوفسطى لو رأى الأشياء موهومة أو شكّ في واقعيتها ، فعنده الأشياء موهومة واقعاً والواقعية مشكوكة واقعاً ( أي هي ثابتة من حيث هي مرفوعة ) . وإذ كان أصل الواقعية لا يقبل العدم والبطلان لذاتها ، فهي واجبة بالذات ، فهناك واقعية واجبة بالذات ، والأشياء التي لها واقعية مفتقرة إليها في واقعيتها قائمة الوجود بها . من هنا يظهر للمتأمّل أنّ أصل وجود الواجب بالذات ضرورىّ عند الإنسان ، والبراهين المثبتة له تنبيهات بالحقيقة » « 1 » . وفى ضوء ذلك يعتقد الطباطبائي أنّ جميع براهين الفلسفة الأُولى براهين « إنّية » يتمّ الانتقال بها من أحد المتلازمين إلى المتلازم الآخر ، وبرهان الصدّيقين يندرج في هذا القسم أيضاً ، وهذا ما أشار إليه بعد أن ذكر صدر المتألّهين أنّ برهان الصدّيقين هو : « أسدّ البراهين وأشرفها إليه تعالى ، لأنّه هو الذي لا يكون الوسط في البرهان غيره بالحقيقة ، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود ، فيستشهدون به عليه ، ثمّ يستشهدون بذاته على صفاته ، وبصفاته على أفعاله ، واحداً بعد واحد » « 2 » ، قال الطباطبائي معلّقاً على هذا الكلام : « وهو مع ذلك برهان إنّى ، سُلك فيه من بعض اللوازم ، وهو كون الوجود حقيقة مشكّكة ذات مرتبة تامّة صرفة ، وناقصة مشوبة إلى بعض آخر من اللوازم ، وهو كون المرتبة التامّة الصرْفة منه واجبة الوجود . والذي ذكره رحمه الله من أنّ الطريق فيه عين المقصود ، وأنّ فيه سلوكاً من ذاته تعالى إلى ذاته ، ثمّ من ذاته إلى صفاته ، ثمّ من صفاته إلى أفعاله ، ينبغي أن يحمل على أنّ هذا البرهان الإنّى من بين سائر البراهين الإنّية ( في هذا الباب )
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 6 ، ص 14 ، حاشية الطباطبائي رقم 3 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 6 ، ص 13 .